حسن الأمين

152

مستدركات أعيان الشيعة

الأوصاف ، أي بحمل أسرارهم . على ما ينبغي . ويصف الطائفتين بأنهما حاملتا أسرار الأنبياء والأولياء ظاهرا وباطنا « فالشيعة قاموا بحمل أحكامهم وأسرارهم بحسب الظاهر والشريعة ، والصوفية قاموا بحمل أسرارهم وحقائقهم بحسب الباطن والحقيقة » ( 1 ) . فكان الشيعة هم ظاهر الصوفية والصوفية هم باطن الشيعة . وبهذا « كمال الشريعة التي لا تقوم إلا على الوجهين معا . وكل واحد منهما يحتاج إلى الآخر ، وإن لم يعرف صاحبه ، لأن كل ظاهر أن لم يكن مستندا إلى الباطن فهو كفر ، وكل باطن إن لم يكن متمسكا بالظاهر فهو زندقة . أما مقام الكاتب فهو الجمع بين المقامين ، أي ما يسميه المقام المحمدي . وما دام أقطاب الصوفية في رأي الآملي يسندون علومهم وطريقتهم إلى الأئمة المعصومين ، فلا ينبغي أن يحكم أحد ( من الشيعة ) ببطلان مذهبهم واعتقادهم . فالقرابة الشيعية الصوفية تقوم إذن على وحدة الاسناد بين الاثنين ، أول ما يسمى بمصطلح الحداثة « السلطة المرجعية الواحدة » والولاية الصوفية مؤسسة على الولاية / الإمامة عند الشيعة . اختط الآملي في كتاباته طريقا كانت معبدة من قبل ، هي طريق التوحيد بين منهجي الظاهر والباطن أو النظر والذوق . وكان سبقه السهروردي في القرن الرابع ، إلى القضاء على هذا الفصم المنهجي بحسب تعبير الدكتور حسن حنفي ، فوحد بين حكمة الفلاسفة وكشف الصوفية في منهج واحد ، هو الذي عرضه في حكمة الإشراق وتنازع هذان المنهجان معا الحضارة الإسلامية . وكل منهما يود أن يعتبر نفسه ممثلا لها ومعبرا عن جوهرها ( 2 ) . والآملي عاش عصرا ترسخت فيه أصول التصوف على أيدي ابن عربي ومريديه وأتباعه ، ولمعت أسماء ابن الفارض والبسطامي والحلاج والجنيد والشبلي وابن سبعين ، واكتمل أيضا عقد علم الكلام والفلسفة بمجهودات ابن سينا وابن رشد . ما هو جديد الآملي إذن ؟ التوفيقي الخصوصية الآملية هي في هذا النهج التوفيقي بالذات بين منهج الاستدلال النظري والبرهاني ومنهج الحدس والرؤية الباطنية والمكاشفة ، مطبقا لأول مرة على صلب عقيدته الشيعية الامامية الاثني عشرية . فالسهروردي وإن أرجع أصول التصوف على غرار جميع المتصوفة ، وخاصة ابن عربي إلى الإمام علي ، إنما فعل من باب العرف والاشتمال والعموم . دون أن يخوض في التفاصيل والخصوصيات . هذا الحقل الفارغ هو الذي تحرك داخله الآملي مستفيدا من تراث أسلافه المتصوفة ومع إقراره بفضل هؤلاء وأسبقيتهم ، كان أمينا على أصول التراث الشيعي ، وبالتحديد على المنظومة الكلامية الشيعية المتمثلة باعمال الطوسي وابن بابويه وابن مطهر الحلي والشيخ المفيد ، وآرائهم في الذات والصفات والجبر والتفويض ، وفي التقية والعصمة . كما هو أمين على أصول التراث الصوفي وتصوراته ومصطلحاته . وحريص على الأخذ بالروايات والأخبار الشيعية والصوفية التي لم يأخذ بها أصحاب المنهج الذوقي إذ اكتفوا بالقلب أو الحدس معينا يستقون منه العلم مباشرة . دون حاجة إلى رواية أو نقل وعلى رأسهم ابن عربي الذي صاغ لازمة تشابه في الظاهر اللازمة الروائية قائلا : « عن قلبي عن ربي أنه قال » . وإذ سبق الإسماعيليون الآملي في التنظير للولاية والنبوة ، وهما الموضوعان الأساسيان اللذان دار عليهما كلامه وكلامهم ، فان مهمة الآملي كانت عسيرة ومزدوجة فهو من طرف ، عليه المنافحة عن المتصوفة أمام الشيعة الاثني عشرية الذين لا يقرون بصحة عقيدتهم ، ويتهمونهم بالكفر والزندقة ، وهو من طرف آخر ، مضطر أثناء مقاربته أصول الطائفة المتصوفة وبيان وجوه الشبه ، أو الأحرى مناحي التكامل بين الطائفتين ، إلى أن ينبه أو يزيل التأويلات الخاطئة لدى الإسماعيليين والزيدية وسائر الغلاة . والتي ينسبها عدد من المتصوفة والمسلمين إلى الشيعة الإمامية . وهذه المهمة المزدوجة هي التي تمنح كتابات الآملي سمة متفردة خاصة حتى ليعد صاحب السبق في بناء نظرية صوفية شيعية على يدي اثني عشري . كذلك كان عليه أن يرد على خروج بعض أقطاب التصوف عن المفاهيم الشيعية ، خاصة على أستاذه ابن عربي في مسألة الولاية المطلقة والولاية المقيدة ، التي سنتناولها فيما بعد . معلنا في خاتمة كتابه « جامع الأسرار . . » أن الغرض من الكتاب بل وصيته الشخصية ( 3 ) « أن يصير الشيعة صوفية والصوفية شيعية » ( 4 ) رغم صعوبة الأمر وخطورته . إذن نسبة المتصوفة إلى الشيعة لم يكن أمرا بديهيا في الأذهان ، إلا في وقت متأخر . ولو كانت هذه النسبة معروفة تفاصيلها ودقائقها على الأقل . إلا ما كان شائعا ومتداولا عن أسناد الخرقة الصوفية إلى الإمام علي ، لما تصدق الآملي لكتابة « جامع الأسرار . . . » مدفوعا بحافز التوفيق بين الطائفتين والمنافحة عن الصوفية أمام الشيعة ، وعن الشيعة أمام الصوفية . متجشما عناء البحث والتنقيب لإبراز وحدة المنبع والمصدر والهدف .

--> ( 1 ) جامع ، ص 515 . ( 2 ) حكمة الاستحراق والفينومينولوجيا : الدكتور حسن حنفي ص 172 ، من ضمن « الكتاب التذكاري » : شهاب الدين السهروردي . ( 3 ) سمي الخاتمة « الوصية » وفي هذا دلالة تغني عن أي شرح . ( 4 ) جامع ، ص 611 .